المناوي
201
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وذكر العارف ابن عربي رضي اللّه عنه أنّه كان في مقام القربة ، فإنه قال : دخلت هذا المقام ، وهو بين الصدّيقيّة والنّبوّة سنة سبع وتسعين وخمس مائة ، وأنا مسافر بمنزل ببلاد المغرب « 1 » ، فتهت به فرحا ، ولم أجد به أحدا ، فاستوحشت من الوحدة ، وتذكّرت دخول أبي يزيد رضي اللّه عنه بالذّلّة والافتقار ، فلم يجد في ذلك المنزل « 2 » أحدا ، فرحلت وأنا على تلك الحال من الوحشة بالانفراد « 3 » ، والأنس إنّما يقع بالحسّ ، فنزلت عند رجل فشكوت له انفرادي بمقام أنا مسرور به ، فبينما هو يؤانسني إذ لاح لي ظلّ شخص ، فنهضت ، إليه فعانقني ، فتأمّلته فإذا هو أبو عبد الرّحمن السّلمي ، وقد تجسّدت لي روحه ، فقلت له : أراك في هذا المقام ، فقال : فيه قبضت ، وعليه متّ ، فأنا فيه لا أبرح ، فذكرت له وحشتي ، فقال : الغريب مستوحش ، فاحمد اللّه ، ألا ترضى أن يكون الخضر عليه السّلام صاحبك في هذا المقام ، وقد أنكر عليه موسى عليه السلام حاله مع ما شهد اللّه عنده بعدالته ، ومع هذا أنكر عليه ما جرى ، وما أراه سوى صورته ، وعلى نفسه أنكر ، وأوقعه « 4 » في ذلك سلطان الغيرة التي خصّ اللّه بها رسله ، ولو صبر لرأى العجائب ، فإنّه كان أعدّ له ألف مسألة كلّها جرت لموسى عليه الصلاة والسلام ، وكلّها ينكرها على الخضر عليه السلام ا ه . [ ومن كراماته : ] ومن كرامات أبي عبد الرحمن رضي اللّه عنه ما قال القشيريّ « 5 » رضي اللّه عنه : كنت بين يدي العارف الدّقاق رضي اللّه عنه ، فجرى حديث أبي عبد الرحمن وأنّه يقوم في السّماع موافقة للفقراء ، فقال الدقاق : مثله في حاله السكون أولى به ، امض إليه تجده قاعدا في بيت كتبه ، وعلى وجه الكتب مجلّدة صغيرة فيها أشعار الحسين بن منصور ، فهاتها ولا تقل له شيئا ، فدخلت
--> ( 1 ) في المطبوع : بمنزلة الجبل ببلاد الغرب . وفي ( أ ) بمنزل ايجيل . راجع الفتوحات 2 / 261 . ( 2 ) في المطبوع : فلم أجد في ذلك المكان . ( 3 ) في المطبوع : الوحشة والانفراد . ( 4 ) في المطبوع : ورافقه . ( 5 ) ذكره الخطيب عن القشيري ، تاريخ بغداد 2 / 248 .